عادل بن فهد
حين ينجذب الملايين حول العالم إلى سحر السماء، ومقاطع الفيديو الخاطفة للأنظار التي توثق لحظات السقوط الحر والتحليق فوق الغيوم، يغيب عن أذهان الكثيرين ممن تسيطر عليهم نشوة الحماس أن عالم الرياضات الخطرة وعالية الكثافة ليس متاحاً بالضرورة لكل الأجساد والقدرات البشرية على السواء. فالحماس المنقطع النظير والشغف الجارف وحدهما لا يكفيان أبداً لمواجهة التحديات الفيزيائية القاسية، والضغط الجوي الهائل، وسرعة الرياح المتسارعة التي تصاحب كل قفزة مظلية من ارتفاعات شاهقة. إن الرغبة في خوض المغامرة وتحقيق الأحلام المعلقة بين السحاب يجب أن تظل محكومة بقاعدة أساسية لا تقبل التنازل؛ وهي أن سلامة الجسد وبنيته الصحية تأتي دائماً في المرتبة الأولى وقبل أي اعتبار آخر.
وفي لقاء خاص وموسع مع شبكة “أخبار الرياض”، يوجه خبير القفز المظلي الكابتن علي ضرغام رسالة بالغة الأهمية وتحذيراً حاسماً يتعلق بنصيحة جوهرية وضرورية لكل راغب في اقتحام هذا العالم المثير؛ وهي ضرورة الابتعاد التام عن هذا المجال لمن يعانون من أمراض أو حالات صحية معينة قد تشكل خطورة جسيمة ومباشرة على حياتهم وسلامتهم البدنية في الأجواء المرتفعة وتحت تأثير قوى الجاذبية وضغط الهواء.
الضغوط الخفية في قلب الفراغ: ماذا يحدث للجسد في السماء؟
يوضح علي ضرغام خلال الحوار أن القفز المظلي والطيران الحر لا يمثلان مجرد نزهة جوية ترفيهية، بل هما نشاطان يفرضان ضغوطاً بدنية ونفسية استثنائية وشديدة القسوة على جسم الإنسان، وخاصة على الجهاز الدوري، وعضلة القلب، والجهاز التنفسي، والعمود الفقري. عندما يغادر المغامر طائرة التحليق، يتعرض جسده فجأة لتغيرات دراماتيكية وسريعة في الضغط الجوي، ناهيك عن التوتر العصبي الهائل واندفاع الأدرينالين الحاد الذي يرفع معدل ضربات القلب إلى أقصى حدوده في أجزاء من الثانية.
هذه البيئة المتسارعة والمكثفة قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة وعواقب لا تحمد عقباها لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة. ويشير الكابتن إلى أن قائمة الحالات التي تستوجب الامتناع الكامل عن ممارسة هذه الرياضة تشمل، على سبيل المثال لا الحصر:
-
مرضى القلب والأوعية الدموية: حيث تشكل الصدمات العصبية وتغيرات الضغط خطراً مضاعفاً على من يعانون من ضعف عضلة القلب أو الشريان التاجي.
-
أصحاب ضغط الدم غير المستقر: سواء كان المرتفع أو المنخفض، إذ قد يؤدي الاندفاع الهوائي والتوتر إلى فقدان الوعي المؤقت في الأجواء.
-
من يعانون من مشاكل الجهاز التنفسي الحادة: كحالات الربو الشديد أو أمراض الرئة المزمنة التي تتأثر سلباً بنقص الكثافة أو برودة الهواء الشديدة على ارتفاعات عالية.
-
أصحاب الإصابات المزمنة في الرقبة والظهر: نظراً لأن عملية فتح المظلة والاصطدام المفاجئ بمقاومة الهواء، فضلاً عن قسوة الهبوط على الأرض، تتطلب بنية عظمية وعضلية قوية وقادرة على تحمل الصدمات القوية.
الفحص الطبي والوعي الذاتي: خط الدفاع الأول للحياة
ويؤكد الكابتن لـ “أخبار الرياض” أن الوعي الصحي والفحص الطبي الشامل والدقيق يمثلان دائماً خط الدفاع الأول في حماية الأرواح ومنع وقوع الكوارث. فالاحتراف الحقيقي في عالم الرياضات الخطرة لا يبدأ من مهارة الطيران أو القدرة على أداء الحركات المعقدة في الهواء، بل يبدأ أولاً بمعرفة حدود الجسد، واحترام إشاراته التحذيرية، والاعتراف بشجاعة تامة بقدراته الفعلية.
ويشدد علي ضرغام على أن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في خوض المغامرة رغم المخاطر الصحية، بل تكمن في القدرة على اتخاذ القرار الصعب بالابتعاد والامتناع عن ممارسة الرياضة متى كانت الحالة البدنية لا تسمح بذلك. فالمجازفة بصحة الإنسان مقابل تحقيق رغبة مؤقتة هي مغامرة غير محسوبة العواقب قد تحول متعة التحليق إلى مأساة حقيقية. إن الهدف الأسمى يظل دائماً هو العودة إلى الأرض سالمين، والاستمتاع بالحياة وجمال السماء على المدى الطويل دون تعريض السلامة الشخصية لأي خطر محتم.