كتب/ ياسمين علي
شهد جاليري «ضي» بالزمالك مساء الأحد حدثًا فنيًا لافتًا، أعاد تسليط الضوء على أحد أبرز رواد الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية، من خلال افتتاح معرض استثنائي لأعمال الفنان الراحل الدكتور عبد الحليم رضوي، إلى جانب عرض مختارات فنية لـ30 فنانًا سعوديًا من أجيال مختلفة، في تظاهرة تشكيلية تؤكد عمق الروابط الثقافية بين مصر والسعودية.
الافتتاح جاء بحضور نقيب التشكيليين الفنان طارق الكومي، والفنانة السعودية شاليمار شربتلي، والناقد التشكيلي هشام قنديل، وسط حضور واسع من الفنانين والنقاد والمهتمين بالحركة التشكيلية العربية، في أمسية حملت طابعًا احتفاليًا وتكريميًا في آن واحد.
مشهد افتتاحي يجمع الفن والنقد والذاكرة
لم يكن افتتاح المعرض مجرد مناسبة لعرض أعمال فنية، بل جاء كحدث ثقافي متكامل، جمع بين العرض البصري، والنقاشات الفنية، واستحضار تجربة فنية تركت أثرًا واضحًا في مسار التشكيل السعودي والعربي. وقد عبّر الحضور عن تقديرهم لأهمية الاحتفاء بتجربة عبد الحليم رضوي، بوصفه أحد المؤسسين الحقيقيين للحركة التشكيلية في المملكة.
وأكد نقيب التشكيليين طارق الكومي في كلمته خلال الافتتاح أن استضافة هذا المعرض في القاهرة تمثل امتدادًا طبيعيًا للدور التاريخي الذي لعبته مصر في احتضان ودعم الفنون العربية، مشيرًا إلى أن تجربة رضوي تشكل جسرًا فنيًا بين التراث العربي والحداثة التشكيلية.
حضور فني عربي واسع
شهد الافتتاح حضور عدد كبير من الفنانين المصريين والسعوديين، من بينهم فؤاد الغرابلي، سامي البلشي، وليد عبيد، عاطف سليمان، عاطف أحمد، إلى جانب فنانين وباحثين ونقاد، ما أضفى على الحدث زخمًا خاصًا، وحوّل قاعات الجاليري إلى مساحة حوار مفتوح حول الفن والهوية والتجربة العربية المعاصرة.
ومن المقرر أن يستمر المعرض حتى 28 ديسمبر الجاري، ليتيح للجمهور فرصة أوسع للتفاعل مع الأعمال المعروضة، والتأمل في تنوع التجارب الفنية المطروحة.
30 فنانًا… بانوراما للتشكيل السعودي
يضم المعرض مجموعة مختارة من أعمال 30 فنانًا سعوديًا من الرواد والأسماء البارزة، في محاولة لتقديم بانوراما شاملة لمسار الفن التشكيلي في المملكة، وتطوره عبر العقود. ومن بين المشاركين: بكر شيخون، أحمد فلمبان، عبد الرحمن السليمان، طه الصبان، عبد الله حماس، سمير الدهام، فهد الحجيلان، شاليمار شربتلي، عبد الله إدريس، أيمن يسري، علا حجازي، محمد الرباط، فهد خليف، محمد الغامدي، عبد الرحمن المغربي، رياض حمدون، محمد الشهري، إحسان برهان، محمد العبلان، محمد الخبتي، سعيد العلاوي، أبو هريس، نهار مرزوق، خالد الأمير، أحمد الخزمري، عبد الله الزهراني، إلى جانب أسماء أخرى.
وتتنوع الأعمال المعروضة بين مدارس وأساليب مختلفة، من الواقعية والتجريدية، إلى التعبيرية والرمزية، ما يعكس ثراء المشهد التشكيلي السعودي، وقدرته على التفاعل مع التحولات الفنية العالمية مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية.
عبد الحليم رضوي: رائد ومسيرة استثنائية
يُعد الدكتور عبد الحليم رضوي من الرعيل الأول الذين أسسوا ملامح الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية، وساهموا في ترسيخ حضوره ضمن المشهد الثقافي العربي. لم يكن رضوي فنانًا منعزلًا في محترفه، بل كان مثقفًا فاعلًا، حمل همّ الفن ودوره في المجتمع، وسعى باستمرار إلى إدماجه في الثقافة العامة.
عرف عنه نشاطه الدائم وإصراره على أن يكون للفن التشكيلي مكانة مؤثرة في الحياة الثقافية، سواء من خلال أعماله، أو مشاركاته، أو حضوره في الفعاليات والمعارض، حتى رحيله في مدينة جدة بعد صراع مع المرض خلال السنوات الأخيرة من حياته.
الفن كهوية ورسالة
انطلقت تجربة عبد الحليم رضوي من إيمان عميق بالأصالة، واستلهام التراثين العربي والإسلامي، ليس بوصفهما مادة جامدة، بل كمصدر حيّ للإلهام وإعادة الصياغة. وقد كرّس جزءًا كبيرًا من مشروعه الفني لهذا التوجه، فظهرت أعماله محمّلة بالرموز والدلالات المستمدة من البيئة والذاكرة الجمعية.
في الوقت ذاته، لم يكن رضوي منغلقًا على التراث فقط، بل كان على اطلاع واسع بالتيارات الفنية العالمية، واستوعبها بوعي نقدي، ما مكّنه من تقديم تجربة معاصرة تنطلق من الجذور، دون أن تنفصل عن روح العصر.
بين التراث والحداثة
تميّزت أعمال رضوي بقدرتها على المزج بين الشكل التراثي والرؤية المعاصرة، وهو ما جعله من المدافعين عن فكرة الانطلاق نحو الحداثة من داخل الهوية، لا من خارجها. وكان يرى أن العمل الفني الذي يستند إلى مرجعية ثقافية واضحة، يمتلك قدرة أكبر على التواصل والاستمرار.
ومن هنا جاءت انتقالاته الفنية واضحة ومقصودة، حيث انتقل بين مراحل وتجارب متعددة، حافظ فيها على خطه الفكري العام، مع تطوير أدواته وأساليبه البصرية.
الحصان: رمز وبداية
في مراحل مبكرة من تجربته، اتخذ رضوي من مفردة الحصان عنصرًا أساسيًا في أعماله، ربما لما يحمله من رمزية مرتبطة بالأصالة والقوة والحركة. وقد عالج هذا العنصر بأساليب مختلفة، مستثمرًا الحركة اللولبية التي تنطلق من مركز اللوحة نحو أطرافها، في تعبير بصري عن دينامية الحياة.
ومع تطور تجربته، بدأت عناصر جديدة في الظهور، مثل المنزل، والإنسان، والمشاهد اليومية الشعبية، في انتقال يعكس اهتمامه المتزايد بالبيئة الاجتماعية والحياة المعاشة.
تحولات بصرية ونضج فني
مع استمرار هذا التوجه، أخذت الحركة في لوحات رضوي تتراجع تدريجيًا لصالح وضوح العناصر وبروزها، حيث أصبحت المفردات البصرية أكثر ثباتًا وتركيزًا، في تأكيد على الاتجاه الفني الذي استقر عليه في مراحله الأخيرة.
وقد حافظ رضوي على هذا الخط حتى آخر أعماله المعروفة، ما يمنح تجربته قدرًا من الاتساق والوضوح، ويجعلها قابلة للقراءة والتحليل ضمن سياق تطور الفن التشكيلي السعودي.
المعرض كمساحة للحوار
لا يقتصر هذا المعرض على كونه عرضًا لأعمال فنية، بل يمثل مساحة للحوار بين أجيال وتجارب مختلفة، ويتيح للمتلقي فرصة مقارنة الأساليب، ورصد التحولات، وفهم السياقات الثقافية التي أنتجت هذه الأعمال.
كما يعكس المعرض أهمية التعاون الثقافي العربي، ودور المؤسسات الفنية المستقلة في بناء جسور التواصل بين الفنانين والجمهور، وبين الماضي والحاضر.
ختام: احتفاء بالذاكرة واستشراف للمستقبل
يأتي معرض عبد الحليم رضوي ورفاقه من الفنانين السعوديين في جاليري ضي كتحية وفاء لتجربة رائدة، وفي الوقت ذاته كرسالة تؤكد حيوية المشهد التشكيلي السعودي وقدرته على الحضور عربيًا ودوليًا.
وبين لوحات تستحضر التراث، وأعمال تنفتح على المعاصرة، يخرج الزائر بانطباع واضح: أن الفن العربي لا يزال قادرًا على التجدد، حين يستند إلى ذاكرة عميقة ورؤية واعية للمستقبل.